آراء حرة

الدكتور/ مجاهد الجندي.. عالِم من زمن الشموخ

بقلم أ.د/ غانم السعيد

لم أر رجلا صاحب همة في مساعدة الناس والحرص على قضاء حوائجهم وفهم احتياجاتهم من مجرد النظر إليهم كما رأيت ذلك في أستاذنا مجاهد الجندي عليه رحمة الله.

ومن مواقفه معي الكاشفة لهذه اللمحة في شخصية هذا العالم الرباني أنه لقيني يوما أثناء مروره من على باب قسم الأدب والنقد متجها إلى قسم التاريخ والحضارة فوقف ليُسلم عليّ، ثم قال لي: مالي أراك مهموما؟ فقلت له مشكلة في البحث، قال: وما هي؟ قلت أبحث عن وثيقة رسمية أسجل من خلالها المراحل التعليمية التي مرَّ بها الشيخ محمد الصادق عرجون؛ لأني أكتب أطروحتي للدكتوراه عن شخصيته ونتاجه الأدبي والنقدي، فربط على كتفي بيد حانية، وقال لي: لا تقلق، وسآتيك بما تريده قريبا بإذن الله.

وفعلا لم تمر أيام حتى اتصل بي ليقول لي: انتظرني غدا في الكلية لأعطيك ما كنت تبحث عنه، وجاءني الشيخ بجلاله ووقاره ومعه صور من مستندات رسمية بكل الشهادات التي حصل عليها الشيخ عرجون من الأزهر الشريف.

كما كان الدكتور مجاهد رحمه الله موسوعيًّا في تخصصه، حريصا على أن يقف على كل جديد فيه، على الرغم من أنه كان هو الذي يقدم الجديد؛ لأنه كانت لديه إرادة صلبة تدفعه إلى أن يصل إلى أي مخطوطة أيا كانت سواء كانت في مصر أم في خارجها، ومما كان يميزه رحمه الله أنه كان دائما يحمل في يده حقيبة ما أشبهها بمكتبة متنقلة للوثائق والمخطوطات وبخاصة ما يتصل بكل مؤسسات الأزهر، وكثيرا ما كنتُ أراه مع باحثين جاءوا يسألونه عن أي وثيقة، فيفتح تلك الحقيبة المشهورة ليستخرج لهم منها صورة الوثيقة التي يبحثون عنها، وهو في غاية الرضا والسعادة؛ لأن الله جعله سببًا في قضاء حاجة المحتاج.

كان رحمه الله شديد التواضع يؤثرك بابتسامته الوادعة، وبحديثه المؤنس، وتعجب من ذاكرته حينما يسألك عن أناس من بلدك وربما لم يذهب إلى هذا البلد، ولكنه عرفهم من خلال ما قرأه عنهم في الوثائق والمخطوطات، وقد كان عشقه للمخطوطات سببا في أن يكون الشيخ نسابة، فما تكاد تذكر له اسمك واسم بلدك حتى يفيض لسانه بذكر فروعك وأصولك إلى درجة تدعو إلى الاندهاش والانبهار .

لقد كان شيخنا وأستاذنا علامة فارقة بين أساتذة التاريخ بما كان يملكه من أدوات وإمكانات لم تتوفر للكثيرين من المشتغلين بعلم التاريخ. وقد لقي شيخنا ربه وله ديون في أعناق كثير من الباحثين يترحمون بها عليه حتى يجمعنا الله به في الفردوس الأعلى من الجنة إن شاء الله. رحم الله أستاذي وتقبله في الصالحين.

Share Button
اقرأ ايضاً  فضفضات فيس بوك (من معاناتي يوم ٢٥)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.