قصص

الحلقة التاسعة من رواية أين حبيبي؟ للكاتبة /أماني عطا الله


حكت خالتها مستمتعة بالضجة التى تحدثها بينما ترتب أغراضها في حقيبة كبيرة استعدادًا لرحلتها الموعودة معه ، لم تشأ أن تغضبها وتخفض صوت المسجل الذى كان مرتفعًا أكثر من المعتاد ورغم هذا فقد طغى صوتها فوق صوته وهى تكرر معه أغنياته هائمة في عالم آخر 

كان بالأمس قد أخبرها أن والدته أرشدته إلى مقاول كبير ووصفته بأنه أهلًا للثقة، هو أيضًا كان قد تعرف على مهندس شاب متحمس وعلى قدر من المسؤولية، سوف يترك لهما رعاية المشروع ويتفرغ هو لرعاية ملك، شهر بكامله سيمضيانه معًا في عرض البحر، كلاهما للآخر، سيكون لها وحدها، لن يشاركها فيه بشر ولا عمل، هى أيضًا ستكون له، سوف تخبره بأنها لم تعشق سواه وأنه حبيبها الأوحد وبأنه عالمها وشاغلها الشاغل الذى لا يفارقها طيفه لحـ…….

– ما هذا الجنون ؟

فوجئت به وقد أغلق المسجل ونظر إليها مستنكرًا، شعرت ببعض الخجل وهى تغمغم :

– كنت أستعد للرحلة

– بهذه الطريقة..!

– أنا سعيدة جدًا

– أنت مزعجة جدًا

أجبرته ضحكتها الحلوة على الضحك قبل أن يقول :

– ما زلت شيطانة صغيرة يا ملك، لن تكبرى أبدًا

عاد يضحك من جديد عندما رفعت رأسها في تعالٍ بينما تراخت أهدابها الطويلة السوداء في مشهد يفيض أنوثة ودلالًا قبل أن تتركه وتمضى

 

*****

استمعت ملك شبه مغيبة إلى نصائح خالتها التى كانت تحفظها كلها عن ظهر قلب، أما عقلها فكان شاردًا في عالم آخر وهى تحدق مشدوهة في هذه الباخرة العملاقة

من أين أتى كل هؤلاء الناس ؟!

ما هذه الملابس التى يرتدونها ..؟!.. ألا تخجل هذه الفتاة من الشورت القصير الذى يبرز جسدها بهذا الشكل الفاضح ؟ إنها ليست الوحيدة التى تمتلك شعرًا ملونًا إذًا، كل الوان الشعر موجودة هنا.. ولكن يكفيها فخراً أن شعرها الذهبى طبيعى وليس مصبوغًا مثلهن

شعرت ببعض القلق وهى تتحرر من أحضان خالتها وتتجه معه إلى الباخرة، ماذا لو ضلت طريقها وسط هذا الزحام ؟ يا الله.. ربما ما استطاعت العودة إلى ديارها مرة أخرى، لم تكن تتخيل أبدًا أن يكون العالم بهذا الاتساع، هؤلاء الناس عددهم يفوق عدد السكان في قريتها بكاملها، ما يثير دهشتها بالأكثر.. أشكالهم الغريبة .. وكأن كل واحد منهم أتى من عالم مختلف عن عالم الآخر.. هى أيضًا من عالم غير عالمهم جميعاً

تنبهت إلى ضحكاته بجوارها وهو يمسك بيدها ويهتف مداعبًا :

– هل أنت خائفة؟

التفتت إليه وابتسمت في ارتباك فأردف مبتسمًا :

– وكأنك نادمة على خروجك من القرية، هل شعرت بالحنين إليها هكذا باكرًا، القشعريرة تسرى في كل جسدك

– ليس الأمر هكذا، ولكنها المرة الأولى التى أبحر فيها

اقرأ ايضاً  انا وابنتي والقطط الجزء (1)

– اطمئنى يا ملك.. أنت معى

كان تلقائيًا لا مباليًا وهو يطلق عبارته لكن وقعها على مسامعها لم يكن كذلك، كانت بساطًا سحريًا حملها إلى عالم الأميرات، إنها سندريلا وهو أميرها الذى انتشلها من قريتها وغرفتها المظلمة إلى عالمه الكبير، الأميرة النائمة وهو من أيقظها بعد عشرة سنوات من الأحلام والكوابيس والهواجس التى لا تنتهى، علاء الدين الذى يحملها الآن فوق بساطه السحرى ويجول بها العالم …

– ملك.. استيقظى يا حبيبتى، بدأت الباخرة في التحرك، أمى تلوح لك مودعة

رفعت يدها تلوح بها لخالتها شاردة .. ماذا قال منذ قليل؟

حبيبتى ؟!.. أحقًا.. قال حبيبتى؟ يا لها من بداية رائعة..

استدارت إليه بوجه مشرق، قال في لهجة حانية زادتها شرودًا :

– تعالى الآن لنتناول شيئًا ساخنًا يخفف من رعدتك التى لا أجد مبررًا لها

استمرا في الضحك طوال الوقت، يبدو سعيدًا بصحبتها، إنها لا تضجره إذًا، استمعت هائمة عن المناطق الجميلة التى سوف تتوقف فيها الباخرة، لقد أعد لها بالفعل رحلة رائعة، تونس وتركيا واليونان وإيطاليا وفرنسا أيضًا، ما أجمل أن تدور حول العالم مع حبيبها … !

أمسك بكلتا يديها هامسًا :

– هل أنت سعيدة يا ملك ؟

– جدًا .. لم أكن يوماً أسعد حالاً

ابتسم راضيًا وهو ينهض بها ليغادرا الطاولة الصغيرة في مطعم الباخرة قائلًا :

– سوف نذهب الآن لنبدل ملابسنا ونستريح قليلًا استعدادًا لحفل العشاء

– حفل !

– نعم.. كل مساء ستقيم الباخرة حفلًا موسيقيًا راقصًا، إن كنت لا ترغبين في المشاركة يمكننا أن نتناول طعامنا في غرفتنا

– هل ترغب أنت في حضوره ؟

– سيكون الأمر ممتعًا

– حسنًا.. أريد أن أشاركك في كل شيء

تأملته في أمل ولكن ملامحه لم تصفح عن شيء مما تمنت أن تراه فيها، لا بأس مازال الوقت مبكرًا مازال أمامها شهرًا بكامله، سوف تستعيده، من المحال أن تتركه يعود إلى تلك الأمريكية، تستطيع تلك أن تبحث لنفسها عن رجل آخر.. إنها صائدة رجال، أما هى فليس لها سواه ..

تبعته إلى الغرفة المخصصة لهما، كان الحمال قد نقل حقائبهما إلى هناك ووضعها فوق الأرضية، غرفة خشبية صغيرة بها سريران وخزانة ملابس وطاولة تصلح لتناول العشاء في حالة رغبا بذلك، بها أيضًا نافذة مستديرة تطل على البحر وأمواجه الثائرة الزرقاء، هناك بابًا جانبيًا صغيرًا يؤدى للحمام الخاص الملحق بالغرفة

غمغمت في امتنان :

– غرفة رائعة

تناول حقيبته وهم بتفريغ محتوياتها في الخزانة قائلًا :

– يسعدنى أنها أعجبتك

*****

انتهت ملك من تزيين وجهها بالمساحيق التى أحضرتها معها، القت على نفسها نظرة أخيرة في المرآة المعلقة على الجدار الخشبى قبل أن تلتفت إلى خالد الذى غادر الحمام للتو صائحة :

اقرأ ايضاً  معني الوفاء

– ما رأيك ؟

أنزل المنشفة عن وجهه واتسعت عيناه ليحدق فيها وكأنه يبحث عن الكلمات قبل أن يبتسم في ارتباك قائلًا :

– أنت جميلة يا ملك بدون هذه المساحيق

– كلهن هنا يضعن المساحيق

أمسك منديله وراح يمسح المساحيق عن وجهها هامسًا :

– هكذا أجمل كثيرًا.. كان صاخبًا جدًا لا يتلاءم مع وجهك الملائكى

– ولكن …

– ما زالت أثاره فوق وجنتيك وشفاهك تمنحك جمالًا طبيعيًا، ما يزعجنى الآن هو هذا الكحل الذى يبدو شاذًا حول عينيك.. هل تبقى شيئًا من القلم المسكين ؟

– أنت تسخر منى ..!

– لا أحب المساحيق الصاخبة.. اذهبى واغتسلى، سوف أعلمك كيف تتزينين بطريقة عصرية

اتجهت إلى الحمام على مضض وهى تتمتم بعبارات ساخطة لم يفهم منها شيئًا.. فضحك وقال يستفزها :

– هل رآك وحيد بهذه المساحيق من قبل ؟

استدارت إليه في ضيق فأردف مبتسمًا :

– إذا كان قد حدث .. أخشى أنه لن يعود أبدًا

– قل أنك تخشى على نفسك إذًا

اتسعت ابتسامته قائلًا :

– نعم.. لو لم يعد كما وعدك.. ستكون كارثة

نظرت إليه مستنكرة فأردف بذات الابتسامة الواسعة :

– هيا.. لن نمضى اليوم كله هنا

ساعدها فيما بعد على وضع المساحيق بطريقة اعترفت بأنها أفضل كثيرًا من طريقتها السابقة وإن كانت عيناها قد أحمرتا بشدة وهى تجاهد لمحو أثار الكحل منهما، فتحت الخزانة لتخرج ثيابًا ترتديها للسهرة ولكنها عادت تلتفت إليه قائلة :

– اختر أنت ما تجده مناسبًا

نظر إلى الثياب التى أحضرتها معها وعاودته الصدمة من جديد، كيف يخبرها الآن أن موضة هذه الملابس قد عفى عليها الزمن، ربما كانت رائعة منذ خمسين عامًا على الأقل أما الآن ….

– لا تصمت هكذا، أعلم أنك في حيرة، فالسيدة فوزية أتقنت عملها وأخرجتهم بصورة رائعة كما رأتهم في الأفلام تمامًا

– الأفلام !

– نعم.. أنظر إلى هذا الثوب، كانت ترتديه فاتن حمامة في فيلم لا أنام، وهذا كانت ترتديه شادية في فيلم ….. وهذا ماجدة في فيلم …. وهذا نادية لطفى و……….

تأملها في شفقة حاول جاهدًا أن يخفيها، مسكينة ملك، عالمها محدود جدًا، كل خبراتها وثقافتها محصورة في التلفاز وأفلام الزمن الغابر، هل يجب أن يخبرها بأن ملابسها لا تناسب هذا العصر، بأن كل ما أحضرته معها لا يصلح لعشاء واحد فوق سطح هذه الباخرة، ولكن إن أخبرها ماذا ستفعل الآن؟ ربما الأجدر به أن يتركها سعيدة وهى تتخيل أنها ترتدى الأفضل على الإطلاق

– خالد.. أى منهم تريدنى أن أرتديه ؟

اقرأ ايضاً  قصة صورة.. إدريس جناينى الملك فؤاد تنبأ له بالعرش فوضع صورته على الجنيه

– ارتدى ما شئتِ

– كل واحد منهم أجمل من الآخر.. أنت محتار مثلى.. أليس كذلك ؟

هز رأسه وعض على شفتيه صامتًا , يكفى أنها سعيدة، ثقتها بنفسها وقناعتها بأنها ترتدى الأفضل يخفف كثيرًا من إحساسه بالشفقة نحوها …

عندما وصلا أخيرًا، كانت قاعة العشاء شبه ممتلئة، وجدا صعوبة في الحصول على طاولة فارغة وعندما وجداها أخيرًا كانت بعيدة عن مسرح الباخرة حيث جلست الفرقة الموسيقية تعزف لحنًا غربيًا صاخبًا.. همست لتخفف من ضيقه :

– حمدًا لله أن الطاولة بعيدة.. كنا سنصاب بالصداع

نظر إليها والتوت شفتيه ساخرًا :

– هكذا، على أية حال أرجو أن تكونى قد استفدت شيئًا ولا اضطر لإعادة الدرس غدًا

ضحك عندما قالت تغيظه :

– اطمئن، فهمت الدرس جيدًا، عرفت أنك بخيل.. تخشى أن تفرغ علب المساحيق حتى لا تشترى غيرها

انتهيا من تناول الطعام، أدهشه كونها تجيد استخدام الشوكة والسكين، ضحك عندما أخبرته بأنها تعلمت ذلك من التليفزيون.. قال مداعبًا :

– هل تعلمت الرقص أيضًا ؟

– نعم.. لكننى لم أجرب على أرض الواقع من قبل

– هل يعنى هذا بأننى سأفقد أصابعى تحت حذائك ؟

– ليس لهذا الحد.. كنت أراقص نفسى أمام المرآة

– حسنًا.. دعينا نجرب إذًا على أرض الواقع

ضحكت وهى تنهض معه إلى المرقص.. شعر ببعض الخجل عندما وجد الحضور يتطلع إليهما مستنكرًا.. خاصة إلى ملك، ها قد بدأت ملابسها تجذب الانتباه إليها، لكم يتمنى أن لا تشعر بهذا وأن لا تتأثر معنوياتها المرتفعة بالأمر كثيرًا..!

لكن يبدو أن أمنيته لن تتحقق فها هى قد بدأت تشعر بنظراتهم نحوها، بادلتهم التحديق في لا مبالاة، هل بدأت تشعر بالقلق …. ؟!

همس محاولًا التخفيف عنها :

– رقصك لا بأس به

– أيعنى هذا أنك لم تعد تخشى على أصابع قدميك منى ؟

– أبداً

تأوه في ألم عندما دهست قدمه فجأة وغمغم ساخطًا :

– ماذا حدث لك..؟ يبدو أننى حسدتك

– ليس أنت، بل هؤلاء الذين تعلقت عيونهم بملابسى منذ بدأنا الرقص

تأملها في دهشة قبل أن ينفجر ضاحكًا، يا لها من طريقة مزهوة تلك التى تتحدث بها..! فسرت نظراتهم إعجابًا بملابسها وليس سخرية  منها إذًا، تفاوت عجيب بين عقول البشر.. لكن الأمر برمته يبدو جيدًا، فهو لا يريد أن يراها حزينة

Share Button

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.