آراء حرة دين مقالات

<< التدين الظاهري >> بقلم : أحمد نور الدين

عندما حصر فخر الكون “صلى الله عليه وسلم” مغزى وحقيقة بعثته في قوله: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”، كان هذا إشارة جلية لنعي تمام الإدراك، منزلة الأخلاق وأهميتها في كينونة ديننا الإسلامي ورسالته، حيث جعل وقصر، “صلى الله عليه وسلم” أهداف بعثته على إتمام مكارم الأخلاق، وإتمام بنائها الذي أقامه وشيده من سبقه من الرسل والأنبياء، ليوضح لنا في حديث آخر: “مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتًا فأحسنه وأجمله – وفي رواية: بنى دارًا فأتمها وأكملها – إلا موضع لبنة، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون هلّا وضعت هذه اللبنة، فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين”.

من ثمة كانت الأخلاق أعمدة فسطاط ديننا وعموده الفقري، لذا لا غرو أن نرى نبينا، “صلى الله عليه وسلم”، يبين لنا، مؤكدًا أن الدين يتمثل في حسن الخلق والتقوى: “أكثر ما يدخل الجنة تقوى الله وحسن الخلق”، وأن أثقل ما يوضع في ميزان العبد المسلم حسن الخلق، وأن صاحبه أحب الناس على الله، وأقربهم من النبيين مجلسًا، حين قال، “صلى الله عليه وسلم”: “ما من شيء يوضع في الميزان أثقل من حسن الخلق، وإن صاحب الخلق ليبلغ به درجة صاحب الصوم والصلاة”، ويقول: “ألا أخبركم بأحبكم إلى الله وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة، قالوا: بلى، قال: أحسنكم خلقًا”.

بيد أن مع ما سبق نسي البعض منا هذا كله، وصاروا أصحاب داء لمرض مزمن اسمه التدين الظاهري أو الشكلي، فلا عجب أن تراهم يؤدون كل العبادات على أكمل وجه – شكلاً- يصلون، ويصومون، ويحجون، ويزكون، ويتصدقون، لحاهم طويلة، وثيابهم قصيرة، والسواك لا ينفك يفارق جلابيبهم، لكن شتان بين هذا وسلوكهم المعاملاتي الحقيقي، الذي نراه منهم بفعل احتكاكنا بهم وأمثالهم، ناسين أو متناسين ما أمرنا به، “صلى الله عليه وسلم”: “اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن”، وتقريره، “صلى الله عليه وسلم”، لما سُئل عن المرأة كثيرة العبادة؛ لكنها تؤذي جيرانها بلسانها، قال: إنها في النار، وحينما سُئل عن المرأة قليلة العبادة؛ ولكنها تحسن إلى جيرانها، قال: إنها في الجنة.

نعم كان فاروق الأمة يعرف أن المرء من الممكن أن يخلع دينه على عتبة المسجد، ثم ينتعل حذاءه ويخرجَ ليظلم هذا وذاك، فيأكل مال هذا، ويقطع الرحم، ويسب غيره مفتريًا عليهم، وينهش عرض ذاك، ويسرق ويغش هذا، ويعامل من حوله – وأولهم أهل بيته- بغلظة وفظاظة لا حد لها، وما أكثر هؤلاء بمجتمعاتنا الإسلامية الآن، وحينما سأل عمر عن رجل ما إذا كان أحد الحاضرين يعرفه، فقام رجل وقال: أنا أعرفه يا أمير المؤمنين، فقال عمر: لعلّك جاره، فالجار أعلم الناس بأخلاق جيرانه؟ فقال الرجل: لا، فقال عمر: لعلّك صاحبته في سفر، فالأسفار مكشفة للطباع؟، فقال الرجل: لا، فقال عمر: لعلك تاجرت معه فعاملته بالدرهم والدينار، فالدرهم والدينار يكشفان معادن الرجال؟ فقال الرجل: لا، فقال عمر: لعلّك رأيته في المسجد يهز رأسه قائمًا وقاعدًا؟، فقال الرجل: أجل، فقال عمر: اجلس فإنك لا تعرفه.

بل نسي هؤلاء المتدينون ظاهرًا وشكلًا تقرير نبينا القائل: “لتؤدن الحقوق إلى أهلها، حتى يقتص للشاة الجماء من القرناء”، وقوله، “صلى الله عليه وسلم”، حتى مع من خان: “أدّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك”.

ولله دره أكثم بن صيفي أحد حكماء العرب عندما دعا قومه إلى الإسلام، مؤكدًا لهم: “إن الذي يدعو إليه محمد لو لم يكن دينًا لكان في أخلاق الناس حسنًا”، وقول ابن القيم محقًا: “الدين هو الخلق؛ فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين”.

ولكم كان تجار المسلمين قديمًا، رحماء، نبلاء، عظماء، أمناء، تمثلوا الصراط المستقيم لخلق نبينا وديننا، فأسلمت شعوب بلدان بكاملها على أيديهم، وفُتحت بأخلاقهم مغاليق القلوب للإسلام جراء هذا، كما في تركستان الشرقية في الصين، وبلدان جنوب شرق آسيا كإندونيسيا، وماليزيا، والفلبين، وجزر المالديف جنوب غرب سريلانكا، وفيتنام، وألبانيا، ومناطق البلقان.

وفى إفريقيا، دخلت غانا الإسلام أيضًا بأخلاق ودين تجار المسلمين السامي، فاعتنقت قبيلتا “لمنونة وجودلة” الإسلام، فنشروه في غرب إفريقيا، وكذلك ملك غينيا، وكثير من رعاياه سنة 1204م طوعًا وحبًا في ديننا وأخلاقه، كما اعتنق خليفة أمير قبائل “الماندانج” الإسلام، وأسس إمبراطورية مالي، وغيرهم الكثير.

وهكذا، كان، ومازال، وسيظل، التدين الشكلي أحد الأسباب الرئيسية لتخلفنا- نحن المسلمين- وانحطاطنا في تعاملاتنا وسلوكنا؛ حيث التناقض الشاذ للتدين مع مظاهر الفساد، وازدياد هوة وفجوة البغض والكراهية بين المسلمين، التي تنخر في مجتمعنا، وما أحرانا أن نتخلص من هذا الداء البغيض المزمن – التدين الظاهري الشكلي – متمثلين سبل نبينا القائل في حقه الله تعالى: “لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا”، ولكنه طمس وران القلوب الذي استشرى وغطى وفاض بالأفئدة، عافانا الله تعالى، وصدق ربنا سبحانه: ” فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ”.

amnt4@yahoo.com

Share Button
اقرأ ايضاً  . من زمن الفن الجميل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.