دين

إذا فقد العبد الحياء ما الذي يكون ؟!

(الحلقة الرابعة) سلسلة عودة إلى أخلاقنا ياشباب الإسلام

لفضيلة الشيخ : محمد مجدى غنيم عوض
إن الأخلاق هي ميزان اعتدال الحضارات واستقامة الدول، وإن الدول والحضارات التي لا تبنى على الأخلاق والقيم تحمل عوامل سقوطها في أسس بنائها، وعاقبتها إلى زوال واندثار، وهي عاقبة كل الأمم التي تكبرت.
فى هذه الحلقة نعيش مع (#الحياء)
إن ما يلاحظه كل غيور على دينه وأمته في ظل العديد من المتغيرات والتي تعرفها أمتنا الإسلامية؛ ويحاول بعضهم طمس هويتها وتغيير ملامحها من الداخل تحت العديد من المسميات المستوردة، أن القيم الربانية التي جاء بها الإسلام ومنها الحياء، يراد لها أن تنسف لتصبح مجرد لفظ ليس له مضمون. فباسم الحرية الشخصية والعصرنة الحداثية… لا يتورع بعض الناس عن فعل الكثير من الأمور التي كان الحياء يمنعهم في السابق من فعلها، وما أكثر ما يرتكب اليوم من آثام باسم الحرية الشخصية في بلاد المسلمين.
فهل أصبح الحياء علامة من علامات التخلف في عالمنا المعاصر؟ أم أن موضة التحديث لا تعترف بالقيم الربانية؟ وتدعي القيم لتجعلها مجرد شعارات تزين بها خطاباتها وتشريعاتها دون أن يرى ما يؤكد صدق ادعاءاتها؟ وهل يمكن اعتبار الحياء يناقض القيم الإنسانية “الحضارية” التي وصل إليها الفكر البشري من خلال فلسفة الانحلال والميوعة التي تؤله الفكر البشري الذي لا ينطلق من المبادئ الفاضلة؟
إن الحياء خلق يبعث على فعل كل مليح وترك كل قبيح، فهو من صفات النفس المحمودة.. وهو رأس مكارم الأخلاق، وزينة الإيمان، وشعار الإسلام؛ كما في الحديث: «إن لكل دين خُلقًا، وخُلُقُ الإسلام الحياء» (رواه ابن ماجه وحسنه الألباني). فالحياء دليل على الخير، وهو المخُبْر عن السلامة، والمجير من الذم. قال وهب بن منبه: الإيمان عريان، ولباسه التقوى، وزينته الحياء.
ونظرًا لما للحياء من مزايا وفضائل؛ فقد أمر الشرع بالتخلق به وحث عليه، بل جعله من الإيمان، ففي الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الإيمان بضعٌ وسبعون شعبة، فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان»
إن الحياء تمام الكرم، وموطن الرضا، وممهِّد الثناء، وموفِّر العقل، ومعظم القدر:\
إني لأستر ما ذو العقــل ساتــــره * من حاجةٍ وأُميتُ السر كتمانًا
وحاجة دون أخرى قد سمحتُ بها * جعلتها للتي أخفيتُ عنــــوانًا
إني كأنــــي أرى مَن لا حيــــاء له * ولا أمانة وسط القـــوم عريانًا)
الحياء خُلُق رفيع يساعد على التمنع عن كلّ فعل قبيح والتقصير في حقّ الآخرين، والحياء إحدى صفات الأنبياء وعباد الله الصالحين؛ حيث قال أبو سعيدٍ الخدري عن رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- أنّه: (كان أشدَّ حياءً من العذراءِ في خِدرِها، وكان إذا كرِه شيئاً عُرِف في وجهِه).
وقد ذُكِرت تلك الصِّفة في القرآن الكريم وفي السنة النبويّة الشريفة، مثبِتةً علوّ شأنها ومكانتها في ديننا الحنيف، في رواية عن أبي هريرة رضي الله عنه -عن رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- أنّه قال: (الإيمانُ بضعٌ وستّون أو بِضعٌ وسبعون شعبةً؛ أفضلُها لا إله إلا اللهُ، وأدناها إماطةُ الأذى عن الطريقِ، والحياءُ شُعبةٌ من الإيمانِ)..
الفرق بين الحياء والخجل عظيم:
ذلك لأن الحياء منقبة وفضيلة ومعناها هو أن يترفع العبد عن المعاصي والآثام وأما الخجل فإنه منقصة لشعور الإنسان بقصوره أمام الآخرين، فلا يطالب بحقه لخجله ولا يقول كلمة الحق لخجله ولا يتحدث أمام الآخرين لشعوره أن من معه خير منه، وعلى الجرأة ربى السلف الصالح أبناءهم.
رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل الأصحاب يوماً فقال: ((إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها وهي مثل المسلم في نفعها)) فوقع الأصحاب في شجر البوادي، كل منهم يذكر اسم شجرة ورسول الله لا يوافقهم، كان في الأصحاب عبد الله بن عمر وكان صبياً يقول: فوقع في نفسي أنها النخلة، ولكن كان في المجلس أبو بكر وعمر فلم يتكلما، فاستحييت أن أتحدث بوجودهما ثم قال عليه الصلاة والسلام: إنها النخلة، فلما خرج عبد الله مع أبيه عمر بن الخطاب – رضي الله عنهما- قال عبد الله: يا أبت والله لقد وقع في نفسي أنها النخلة، فقال عمر بن الخطاب – رضي الله عنه-: والله لئن كنت قلتها، لهي أحب إلي من الدنيا وما فيها)) البخاري.
وباعث الحياء، إما أن يكون هو الله، وإما أن يكون الناس والعبد إذا لم يستح من الله ولم يستح من الناس كان هو والبهائم سواء.
يقول الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله تعالى في كتابه: (هكذا علمتني الحياة) يقول: (إذا همت نفسك بالمعصية فذكرها بالله فإن لم ترعوِ فذكرها بالناس، فإن لم ترعوِ فاعلم أنك قد انقلبت حمارا).
وأما لماذا الحياء؟لأن العبد إذا رزق الحياء، رزق الفضائل، رزق الخلق الحميد، ابن القيم رحمه الله، في كتابه (مفتاح دار السعادة) يقول: (الحياء هو من أعظم الأخلاق وأكرمها ذلك لأنه مصدر الفضائل، فالولد يبر بوالديه بسبب الحياء، وصاحب الدار يكرم ضيفه بسبب الحياء، والعبد يفي بالموعد بسبب الحياء أيضا، لذلك عندما سئل المصطفى عليه الصلاة والسلام قال: ((إن لكل دين خلقا، وخلق الإسلام الحياء)) [مالك]
ومن الصحابة من عرف بالحياء، كعثمان بن عفان -رضي الله عنه-.
استأذن أبو بكر وعمر وعلى النبي صلى الله عليه وسلم وكان جالساً وقد بدت ركبتاه، فلما استأذن عثمان بالدخول غطى رسول الله صلى الله عليه وسلم ركبتيه، فلما خرجوا، سألت عائشة عن السبب فقال عليه الصلاة والسلام: ((ألا استحي من رجل تستحي منه ملائكة السماء)) أحمد.
إذا فقد العبد الحياء ما الذي يكون؟
إذا فقد العبد الحياء فلا تراه إلا صفيقا بليدا لا يبالي بمشاعر الآخرين ليس عنده من رادع يمنعه من الوقوع في الإثم أو الوقوع في الدنايا، لا يعرف ربا ولا دنيا، ولا يعرف عرفا ولا يعرف خلقا..
المرأة والحياء:
ينبغي أن يعلم أن أجمل ما في المرأة حياؤها، وصدق الله العظيم: ﴿ فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ…. ﴾ [القصص: 25]. أعداء الله علموا أن أكرم ما في المرأة حياؤها، فوجهوا إلى هذا الحياء سهامهم، واستغلوها في الدعاية لأحذية لابد إلا أن يضع معها امرأة، والدعاية لإطارات لابد إلا أن يضع معها امرأة في وضع مهين، أو على أغلفة المجلات، حتى أصبح المثل السائد في الغرب (حبة عنب تساوي مائة امرأة) فسارت المرأة المسكينة كالبلهاء وراء الضباع باذلة لحيائها وشرفها.
وحفظ الإسلام للمرأة حياءها يوم فرض عليها الحجاب، وحرم عليها التبرج خارج بيتها فقال تعالى: ﴿ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ﴾ [الأحزاب: 33].
والغاية هي إقامة مجتمع نظيف لا تهيج فيه الشهوات ولا تستثار فيه الغرائز مما له الأثر المدمر في إشاعة الفاحشة والجريمة وفقدان مقومات البقاء، وتحقيق رغبة أعداء الله في السيطرة والتحكم.).
من مظاهر قلة الحياء هذه الأيام:
أين الحياء ممن ضيعوا أولادهم في الشوارع يخالطون من شاؤوا ويصاحبون ما هب ودب من ذوي الأخلاق السيئة، أو يضايقون الناس في طرقاتهم ويقفون بسياراتهم في وسط الشارع؛ حتى يمنعوا المارة، أو يهددون حياتهم بالعبث بالسيارات وبما يسمونه بالتفحيط؟!.
أين الحياء من المدخن الذي ينفث الدخان الخبيث من فمه في وجود جلسائه ومن حوله، فيخنق أنفاسهم ويقزز نفوسهم ويملأ مشامهم من نتنه ورائحته الكريهة؟!.
أين الحياء من التاجر الذي يخدع الزبائن، ويغش السلع، ويكذب على الناس؟
! أين الحياء من الموظف -أين كانت وظيفته – المستهتر بعمله وواجبه تجاه وظيفته فتراه يوزع وقت العمل بالقيل والقال وشرب الشاي!!
إن الذي حمل هؤلاء على النزول إلى هذه المستويات الهابطة هو ذهاب الحياء كما قال صلى الله عليه وسلم: (( إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت)).
إذا لَم تَخش عاقبة الليالي ولم تستحي فاصنع ما تشاء
فلا والله ما في العيش خير ولا فِي الدنيا إذا ذهب الحياء
يعيش المرء ما استحيا بخير ويبقى العود ما بقي اللحاء
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (من قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه).
رزقنا الله وإياكم كمال الحياء والخشية وختم لنا ولكم بخير..
ونكمل فى لقاء قادم إن شاء الله………
 

اقرأ ايضاً  إلى الطاعن في سيدنا معاوية رضى الله عنه
Share Button

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.