آراء حرة دين

(ثقافة قبول الإعتذار)

سلسلة عودة إلى أخلاقنا ياشباب الإسلام

(الحلقة السادسة)  بعنوان  : ( ثقافة قبول الإعتذار)

لفضيلة الشيخ : محمد مجدى غنيم عوض

إن الأخلاق هي ميزان اعتدال الحضارات واستقامة الدول، وإن الدول والحضارات التي لا تبنى على الأخلاق والقيم تحمل عوامل سقوطها في أسس بنائها، وعاقبتها إلى زوال واندثار، وهي عاقبة كل الأمم التي تكبرت.

فى هذه الحلقة نعيش مع (ثقافة قبول الإعتذار ) تربَّى الكثيرُ منَّا على أن الاعتذار ضَعْفٌ وذُلٌّ؛ إذ من تكوين شخصيات أولئك أن الخطأ بعيدٌ عنهم؛ بل حتى إن اكتُشِفَتْ أخطاؤهم وعلِمَ بها الناسُ، ولم تنجح تبريراتُهم أقرُّوا بها، ليس على سبيل الاعتراف بالخطأ؛ بل لإظهار شجاعتِهم الزائفة بكونهم اعتذروا، بغضِّ النظر عن الخطأ ذاته!تلك فلسفةٌ لا أريد التعمُّق فيها، ما يهمُّني أن يُدرِكَ المسلم أن ‏((‏كل بني آدم خطَّاءٌ، وخيرُ الخطَّائين التوَّابُون))، وأن من التوبة الاعتراف بالخطأ ومحاولة علاجه، وألَّا يكون في الاعتذار هَرَبٌ أو مخالفةٌ أو رياءٌ وسُمْعةٌ، فإن ذلك من أفعال المنافقين: ﴿ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [التوبة: 94].

فهنا قد اتَّضَح مقصدهم السيئ، ففضَحهم الله وفضح اعتذارهم، فاحذَر القصد السيئ من الاعتذار؛ لأنه قد يُسبِّب لكم فَضْحًا عند الخَلْق لا تُطيقه، عافا الله من ذلك! الاعتذار أدب وخلق اجتماعي وهو من أقوى الصفات التي تدل على تواضعك وتسامحك وهو أسلوب يحسن صورتك ويبعد عنك سو ء الظن حين يصدر منك الخطاء لذا علينا بالاعتذار عند الخطأ كما علينا قبول العذر والعفو وتلمس الأسباب لمن قد أخطأ في حقنا خذ من أخيك العفو واغفر ذنبه .

يقول ابن القيم الجوزية في كتاب تهذيب مدارج السالكين : من أساء إليك ثم جاء يعتذر عن إساءته فان التواضع يوجب عليك قبول معذرته , وعلامة الكرم والتواضع أنك اذا رأيت الخلل في عذره لا توقفه عليه و لاتحاجه . أقلل عتابك فالبقاء قليل … والدهر يعدل مرة ويميل ولعل أيام البقاء قليلة … فعلام يكثر عتبنا ويطول؟؟؟ ولأن بعض الناس قد يزهد في العفو وقبول العذر لظنه أنه يورثه الذلة والمهانة فقد أتى النص القاطع يبين أن العفو يرفع صاحبه ويكون سبب عزته.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزًا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله” (رواه مسلم). و يوم أن وقعت بين أبي ذر رضي الله عنه وبلال رضي الله عنه- خصومة، فيغضب أبو ذر وتفلت لسانه بكلمة يقول فيها لبلال: يا ابن السوداء فيتأثر بلال، يوم أكرمه الله بالإسلام، ثم يعير بالعصبيات والعنصريات والألوان، ويذهب إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ويشكو أبا ذر، ويستدعي النبي -صلى الله عليه وسلم- أبا ذر، فيقول -كما في الحديث المتفق علي صحته- يقول النبي صلى الله عليه وسلم-: ” أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية”، فيتأثر أبو ذر ويتحسَّر ويندم، ويقول: وددت –والله- لو ضرب عنقي بالسيف، وما سمعت ذلك من رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ويضع أبو ذر خده على التراب معتذرا ويقول: يا بلال؛ ضع قدمك على خدي، لا أرفعه حتى تضعه، فتذرف عينا بلال -رضي الله عنه- الدموع، ويقول: يغفر الله لك يا أبا ذر، يغفر الله لك يا أبا ذر، والله ما كنت لأضع قدمي على جبهة سجدت لله رب العالمين، ويتعانقان ويبكيان وقد ذهب ما في القلوب من حنق وبغضاء .

هذه هي حياتهم يوم تعاملوا بالإسلام كمنهج للحياة رضي الله عنهم أجمعين. إن الاعتراف بالخطأ و الاعتذار حين وقوعه منك قد يزيد من احترام الناس لك وتسلم من الفتن وتأمن الجانب وتصلح ما بينك وبين الآخرين من سوء فهم أو سوء علاقة .

يقول الأستاذ جاسم المطوع أنه أثناء تقديمه لدورة مهارات التعامل مع الأبناء وكيفية استيعابهم أنه رأى رجلاً في الدورة أثناء الحوار والنقاش قد نغير لونه وانحدرت دمعة من عينه على خده وخلال فترة الراحة جاءني هذا الرجل وحدثني علي انفراد قائلاً: هل تعلم لماذا تأثرت بموضوع الدورة ودمعت عيناي؟ قلت له : لا والله ! فقال: إن لي ابناً عمره سبعة عشر سنة وقد هجرته منذ خمس سنوات لأنه لا يسمع كلامي،ويخرج مع صحبة سيئة، ويدخن السجائر، وأخلاقه سيئة مع أمه وفي البيت، فقاطعته ومنعت عنه المصروف وبنيت له غرفة خاصة على السطح، ولكنه لم يرتدع، ولا أعرف ماذا أعمل،ولكن كلامك عن الحوار وأنه حل سحري لعلاج المشاكل أثر بي، فماذا تنصحني؟ هل أستمر بالمقاطعة أم أعيد العلاقة ؟ وإذا قلت لي ارجع إليه فكيف السبيل ؟ قلت له: عليك أن تعيد العلاقة اليوم قبل الغد، وإن ما عمله ابنك خطأ، ولكن مقاطعتك له خمس سنوات خطأ أيضاً، أخبره بأن مقاطعتك له كانت خطأ وعليه أن يكون ابناً باراً بوالديه، ومستقيما ًفي سلوكه، فرد علي الرجل قائلاً:أنا أبوه أعتذر منه؟ .. نحن لم نتربى على أن يعتذر الأب من ابنه! قلت: يا أخي الخطأ لا يعرف كبيراً ولا صغيراً وإنما على المخطئ أن يعتذر، فلم يعجبه كلامي، وتابعنا الدورة وانتهي اليوم الأول .

وفي اليوم الثاني للدورة جاءني الرجل مبتسماً فرحاً ففرحت لفرحه، وقلت له: ما الخبر؟ قال: طرقت علي ابني الباب في العاشرة ليلاً وعندما فتح الباب قلت له: يا ابني إني أعتذر من مقاطعتك لمدة خمس سنوات، فلم يصدق ابني ما قلت و أرتمى برأسه علي صدري، وظل يبكي فبكيت معه.. ثم قال: يا أبي أخبرني ماذا تريدني أن أفعل،فإني لن أعصيك أبداً .

فثقافة التسامح و الإعتذار هي التقافة التي كانت تسود المجتمع المسلم فعاش الناس في سعادة وطمأنينة حتى أولئك المخالفين لنا في الدين والعقيدة من أهل الكتاب من اليهود والنصارى والمجوس وغيرهم فلم تغمط حقوقهم وإذا حدث خطأ فسرعان ما يكون الإعتذار والرجوع الى الحق لأن المسلم يعتبر ذلك من الدين الذي أمر به شرعا .

فعندما لطم ابن عمرو بن العاص القبطي في مصر جاء القبطي إلى الخليفة عمر رضي الله عنه يشتكي فاعتذر عمر منه واستدعى عمرو بن العاص وقال له كلمته الشهيرة متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا وطلب من القبطي أن يقتص من عمرو وولده لم يقل الخليفة هذا ابن أمير مصر وهو أبن صحابي جليل كلا  بل طلب منه الإعتذار عما بدر منه وأن يستعد للقصاص وكتب إليه بعد ذلك عمر وهو في مصر قالاً : “واعلم يا عمرو أن الله يراك ويرى عملك، فإنه قال تبارك وتعالى في كتابه : ( واجعلنا للمتقين إماماً ) (الفرقان: 74) يريد (أي من المؤمن) أن يُقتدى به، وأن معك أهل ذمة وعهد، وقد أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم، وأوصى بالقبط فقال : ((استوصوا بالقبط خيراً، فإن لهم ذمة ورحماً))، ورحِمُهم أن أم إسماعيل منهم، وقد قال صلى الله عليه وسلم : ((من ظلم معاهداً أو كلفه فوق طاقته؛ فأنا خصمه يوم القيامة)) احذر يا عمرو أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم لك خصماً، فإنه من خاصمه خَصَمه”.( كنز العمال (14304) .

ومن عجيب الأخبار، أن عمير بن سعد ترك ولاية حمص لإساءته إلى ذمي، فقد قال للخليفة مستعتباً عن الرجوع إلى الإمارة: (إن ذلك لسيء، لا عملت لك، ولا لأحد بعدك، والله ما سلِمت، بل لم أسلم، قلت لنصراني: أخزاك الله، فهذا ما عرضتني به يا عمر..) ولم يجد الخليفة بُداً من قبول هذه الاستقالة.( الطبراني في معجمه الكبير (17/52).

وفي تاريخ دمشق أن عميراً قال للخليفة عمر: ” فما يؤمنني أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم خصمي يوم القيامة ومن خاصمهُ خصمه”( عساكر في تاريخ دمشق (46/493) . إننا بحاجة إلى تربية نفوسنا على ثقافة الإعتذار وطلب العفو والتسامح ممن قصرنا أو أخطأنا في حقهم بقصد أو بدون قصد حتى يستمر العطاء وتزداد الروابط وتطيب النفوس وتنجز الأعمال ويُعرف مكان الخطأ حتى يتجنب الجميع تكراره ويسلم المرء والمجتمع من تبعات العناد والكبر والإصرار على الخطأ الذي قد يدمر مجتمعات وأمم وشعوب وحضارات وأهم من ذلك كله أن المرء ينجو بإعتذاره عما بدر منه تجاه الآخرين من تبعات السؤال بين يدي الله يوم القيامة .

 فلا تتأخروا أو تتثاقلوا عن الإعتذار حين يكون هو الحل وهو العلاج. قال الشافعي -رحمه الله-: اقبل معاذير من يأتيك معتذرًا إن برَّ عندك فيما قال أو فَجَرا لقد أطاعك من يرضيك ظاهره وقد أجلَّك من يعصيك مستترا والعبد لله – بمناسبة هذه الحلقة – أقدِّم اعتذاري لكلِّ مَن أخطأتُ في حقِّهم، كبيرًا أو صغيرًا، قريبًا أو بعيدًا، محقًّا أو غيرَ محقٍّ! ونكمل فى لقاء قادم إن شاء الله.

Share Button
اقرأ ايضاً  العدد٨ من سلسلة تشترى فكرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.