دين مقالات

أدب المزاح

سلسلة عودة إلى أخلاقنا ياشباب الإسلام

(الحلقة الثامنة)

للشيخ : محمد مجدى غنيم عوض

إن الأخلاق هي ميزان اعتدال الحضارات واستقامة الدول، وإن الدول والحضارات التي لا تبنى على الأخلاق والقيم تحمل عوامل سقوطها في أسس بنائها، وعاقبتها إلى زوال واندثار، وهي عاقبة كل الأمم التي تكبرت. فى هذه الحلقة نعيش مع أدب المزاح من ذا الذي يريد أن تكون الحياة كلها عابسة مقطبة الجبين؟ وإذا كان هناك من يريدها كذلك، فمن الذي يطيقها ويرضاها؟ إن الحياة بغير مزاح عبء ثقيل قلَّ من يتحمله، ومن هنا قالوا: المزاح فاكهة المجالس. فما حقيقة المزاح؟ وما مدى حاجتنا إليه؟ وما موقف الإسلام منه؟ وهل في ذلك صور عملية من العصور الإسلامية الأولى؟

الحاجة إلى المزاح: تؤكد الدراسات المعاصرة,أن الإنسان السوي بحاجة إلى الضحك والتبسم,وأن المزاح من أدوات ذلك ووسائله,فهو يمسح عن النفس البشرية الهموم التي تنتابها أو تحل بها,فتشعر بالسعادة والراحة,وتسترد نشاطها وتجدد حيويتها,وتقوى على متابعة أشواط الحياة بهمة واضحة,وعزيمة أكيدة.

وقد أشار إلى هذه المعاني ما رواه الديملي وأبو نعيم القضاعي من قول النبي صلى الله عليه وسلم”روِّحوا القلوب,ساعة وساعة”. هذا ومع أن الحاجة إلى المزاح ماسة,لكنها ليست مطلقة ولا عامة,حيث عمل الإسلام على تنظيم هذا السلوك,وضبط حالات المزاح فيها,وتوجيهه إلى البناء لا إلى الهدم, وإلى السمو لا إلى الإسفاف. وبناء على هذا يمكن للمزاح- عموماً – أن تتعدد أحكامه الشرعية,حسب ما يلازمه أو يصاحبه من أحوال ومقاصد,وذلك على النحو التالي:

أولاًـ المزاح الحلال:يرى أكثر أهل العلم:أن المزاح مباح في الأصل, وهو لا بأس به إذا راعى المازح فيه الحق وتحرى الصدق فيما يقوله، ولم يتخذ المزاح ديدناً له، ومما يدل على ذلك ما يلي:

1- ما رواه أحمد والترمذي وقال حديث حسن صحيح:عن أبي هريرة-رضي الله عنه – قال:قالوا:يا رسول الله إنك تداعبنا؟قال:”إني لا أقول إلا حقاً” قال العلماء:معنى تداعبنا: تمزح معنا.

2- ما رواه أبو داود والترمذي وقال:حديث صحيح غريب:عن أنس –رضي الله عنه-أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له:”يا ذا الأذنين” يعني:مازحه,لأن كل إنسان صاحب أذنين. 3- ما رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال :حديث حسن صحيح غريب:عن أنس –رضي الله عنه-أن رجلاً أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:احملني على بعير,فقال له:”إنا حاملوك على ولد الناقة؟!فقال النبي صلى الله عليه وسلم:”هل تلد الإبل إلا النوق”؟!

وبناء على هذه الأدلة وغيرها، فإن أصل المزاح مباح,إذا كان بما يحسن,من غير كذب,ولا إفراط فيه. انقلاب المزاح المباح إلى مندوب أو واجب من المسلَّم به في أصول الشريعة أن المباح قد ينقلب إلى مندوب(مستحب)أو واجب إذا صادف مصلحة معتبرة شرعاً ، وهذا ما ينطبق أيضاً على المزاح المباح الحلال,فقد يصير مستحباً أو واجباً. أما انقلابه إلى مستحب فهو عندما يلاحظ الإنسان في نفس جليسه وَحْشة أو همَّاً أو كآبة أو حزناً,قال ابن حجر والقسطلاني:

(إن صادف المزاح مصلحة مثل تطييب نفس المخاطب ومؤانسته فهو مستحب) ويستدل لهذا بما رواه البيهقي وابن سعد-وأصله في الصحيحين-عن أنس –رضي الله عنه-:أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أبي طلحة,فرأى ابناً له يكنى أبا عمير حزيناً,فقال”مالي أرى أبا عمير حزيناً” قالوا:مات نغره الذي كان يلعب به,قال:فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول”يا أبا عمير,ما فعل النغير”؟ والنغير:فرخ العصفور. أما انقلاب المزاح المباح إلى واجب فهو-على سبيل المثال-ما يغلب على ظن الطبيب الثقة الماهر أن هذا المريض لا يشفى مما هو فيه من كآبة أو حالة نفسية أو عصبية…إلا بالمزاح. فيتعين المزاح حينذاك,لأن من مقاصد الشريعة المقررة حفظ النفوس والعقول,ومن المعروف أن للوسائل حكم الغايات هذا، ولا ينبغي للمزاح المباح أو المندوب أو الواجب أو يخرج على أوصافه وضوابطه وأهدافه الشرعية. الأصل في المسلم أن يكون جاداً، إذ لم يخلق في هذه الدنيا للعبث واللعب، والمزاح قد يخرج المرء عن الواجب الذي خلق له، ومن هنا ذم المزاح، إنما ذم لما يؤدي إليه من كذب أو ترويع أو استهزاء أو غفلة عن الله وذكره.

 وممن عرف بالمزاح من الصحابة نعيمان بن عمرو، وكان لا يدخل المدينة طُرفة، أو فاكهة، إلا اشترى منها، وأكل بعضها، وأهدى الباقي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا جاء صاحبها يطلب ثمنها من نُعيمان أحضره إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: أعط هذا ثمن متاعه!! فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((أولم تهده لي؟)) فيقول: نعم، ولكن، والله ليس عندي ثمنه، ولقد أحببت أن تأكله.

فيضحك النبي صلى الله عليه وسلم، ويأمر لصاحبه بالثمن. ومن نوادره: أن أعرابياً دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وأناخ ناقته بفنائه، وكانت – ناقة – فتية سمينة، فقال بعض أصحاب نُعيمان: لو عقرتها فأكلناها. فإنا قد قرمنا إلى اللحم. فقام نُعيمان وعقر الناقة.

فخرج الأعرابي من عند النبي صلى الله عليه وسلم ووجد ناقته تُسلخ، ونُعيمان يتولى توزيع لحمها. فصاح: يا محمد، واعقراه: واناقتاه. فخرج الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: ((من فعل هذا؟)) فقالوا: النُعيمان. فأتبعه يسأل عنه، حتى وجده قد دخل دار ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب. واستخفى تحت سرب (دكة تكون خارج الغرفة) فوقه جريد.

فأشار بعضهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكانه: فأمر بإخراجه. وقال له: ((ما حملك على ما صنعت؟)). قال: الذين دلوك عليّ يا رسول الله، هم الذين قَرِموا إلى اللحم، وأمروني بعقر الناقة. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل يمسح التراب عن وجهه، ثم غرم ثمنها للأعرابي. [انظره في ترجمته في الاستيعاب وأسد الغابة والإصابة].

المزاح مع الأهل من زوجة وأولاد يقول صلى الله عليه وسلم: ((خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي)). قال ابن مسعود: “خالط الناس ودينك لا تكلمنه والدعابة مع الأهل” [رواه البخاري في الأدب / الانبساط]. ومنه ما رواه أحمد أنه خرج من بعض أسفاره ومعه عائشة فقال للناس: تقدموا فتقدموا، ثم قال لي: ((تعالي حتى أسابقك، فسابقته فسبقته، فسكت عني. حتى إذا حملت اللحم وبدنت ونسيت خرجت معه في بعض أسفاره، فقال للناس: تقدموا فتقدموا ثم قالي لي: تعالى أسابقك فسابقته، فسبقني فجعل يضحك ويقول: هذه بتلك)).

وروى الشيخان في حديث عائشة قالت: ((والله لقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقوم على باب حجرتي والحبشة يلعبون بالحراب في المسجد، ورسول الله يسترني بردائه لأنظر إلى لعبهم بين أذنه وعاتقه ثم يقوم من أجلي حتى أكون أنا الذي أنصرف، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو)) [ رواه مسلم ح892، ونحوه في البخاري ح5236].

ويروي الحاكم من حديث عمرة قالت سألت عائشة كيف كان رسول الله إذا خلا مع نسائه، قالت: كالرجل من رجالكم إلا أنه من رجالكم إلا أنه كان أكرم الناس وألين الناس ضحاكاً وبساماً. وروى الإمام أحمد بإسناد حسن أنه كان رسول الله يصفّ عبد الله وعبيد الله وكثيراً بني العباس ثم يقول: ((من سبق إلي فله كذا. قال: فيستبقون إليه فيقعون على ظهره وصدره فيقبلهم ويلتزمهم)) [رواه أحمد في مسنده ح1739].

 المزاح الحرام:

هو المداعبة التي تشتمل على قول أو فعل نهى عنه الشرع ورتب عليه العقاب.وفي ضوء هذا التعريف,فإن من المزاح الحرام ما يلي:

1- ما جانب الحق والصدق,وكان فيه كذب وافتراء,وحكاية لأمور خيالية غير واقعية بقصد إضحاك الناس. 

2- ما كان فيه تخويف الناس وإيذاؤهم,قولاً أو فعلاً أو إثارة,وإن كان بقصد الضحك والمزاح والمداعبة.

3- ما ترتب عليه إضاعة حقوق لله تعالى:كالإخلال بالفرائض والانشغال عن ذكر الله وطاعته بسبب حفلة ضاحكة ونحوها. 4- ما ترتب عليه أذى في المازح والممازح ,سواء كان الأذى نفسياً أو بدنياً أو اجتماعياً,كأن يتضارب المتمازحان أو غير ذلك أو يسخر الناس من الممزوح معه.

5- المزاح الذي يمس العورات ويتحدث عن الحرمات والأعراض والأدلة على تحريم هذا من الآيات والأحاديث التي تفيد تحريم هذا النوع من المزاح ومن ذلك ما يلي:

1- قوله تعالى: {يأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكنَّ خيراً منهنَّ ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب..}الحجرات 11,وهذه المحرمات المذكورة{السخرية- واللمز-والتنابز}إذا صاحبت المزاح صار المزاح حراماً.

2- روى أحمد وأبو داود والبيهقي:أن الصحابة كانوا يسيرون مع النبي صلى الله عليه وسلم فنام رجل منهم,فانطلق بعضهم إلى سهم معه فأخذه,ففزع الرجل,فقال النبي صلى الله عليه وسلم:”لا يحل لمسلم أن يفزع مسلماً ولو هازلاً” 3- روى أبو الشيخ بإسناد حسن:عن أنس –رضي الله عنه-أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ألا هل عسى رجل منكم يتكلم بالكلمة يضحك بها القوم ,فيسقط بها أبعد من السماء؟ألا هل عسى رجل منكم يتكلم بالكلمة يضحك بها أصحابه,فيسخط الله بها عليه,لا يرضى عنه حتى يدخله النار”؟ وقال الشَّاعر: امزحْ بمقدارِ الطَّلاقةِ واجتنبْ مزَحًا تُضاف به إلى سوءِ الأدبْ لا تُغْضِبنْ أحدًا إذا مَازحتَه إنَّ المزَاحَ على مُقدمةِ الغَضَبْ ونكمل فى لقاء قادم إن شاء الله..

Share Button
اقرأ ايضاً  المسيحية الباكستانية أسيا بيبي بين اللجوء السياسي والإعدام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.